التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مهرجانات الكتاب في العالم... من تقديس الكلمة إلى تسليع الشهرة

 

مهرجانات الكتاب في العالم... من تقديس الكلمة إلى تسليع الشهرة

 مهرجانات الكتاب في العالم... من تقديس الكلمة إلى تسليع الشهرة


 الوقفة الأولى: عودة المهرجانات واحتفاء العالم بالكتاب

في السنوات الأخيرة، عادت مهرجانات الكتاب الدولية والعربية لتتألق من جديد، كمعارض القاهرة، الشارقة، الرياض، الدوحة، والرباط، إلى جانب معارض عالمية كـ فرانكفورت ولندن وباريس للكتاب.

لم تعد هذه الفعاليات مجرد أماكن لبيع الكتب، بل أصبحت منصات حوار وتواصل ثقافي، تشهد توقيع مؤلفين، وندوات فكرية، وإطلاق إصدارات جديدة.


غير أن اللافت في هذه المهرجانات هو تغير طبيعة المحتوى الذي يلقى رواجاً. فقد تراجع الاهتمام بالكتب الفكرية والعلمية الجادة، مقابل صعود **كتب السير الشخصية والقصص الذاتية للمشاهير**.



الوقفة الثانية: زمن كانت فيه الكلمة مسؤولية

في الماضي، لم يكن من السهل أن تُنشر سيرة شخصية أو كتاب يحمل اسم كاتب أو مفكر.

كانت هناك هيبة للكلمة، وصرامة في اختيار من يكتب ومن يُكتب عنه.


فالسير الذاتية كانت تُخصَّص لأعلام الفكر والأدب والسياسة، أولئك الذين أثّروا في المجتمع وألهموا الأجيال.


أما اليوم، فقد أصبح الأمر مختلفاً تماماً؛ إذ يمكن لأي شخص لديه **عدد من المتابعين على "إنستغرام" أو "تيك توك"** أن يُصدر كتاباً يروي فيه تجربته الحياتية، مهما كانت سطحية أو عابرة.



 الوقفة الثالثة: من الكُتّاب إلى “المؤثرين”

تحوّل كثير من مهرجانات الكتاب إلى مهرجانات للمشاهير.

تُرفع صورهم على أغلفة الكتب، وتُخصص لهم أجنحة لتوقيع نسخهم أمام الحشود، لا لأن محتواهم عميق، بل لأن شهرتهم الرقمية تضمن المبيعات.


صار الناشر يبحث عن عدد المتابعين قبل أن يبحث عن جودة النص، وكأن الكلمة فقدت قيمتها أمام **الضوء الساطع للترند**.


إنها معادلة السوق الجديدة: "أنت مشهور، إذن أنت كاتب".



 الوقفة الرابعة: هل السوشيال ميديا قتلت الكتابة أم حررتها؟

قد يقول البعض إن وسائل التواصل الاجتماعي منحت الجميع **حق التعبير والكتابة**، وكأنها فتحت الأبواب أمام طاقات كانت مهمشة.


لكن في المقابل، يرى آخرون أنها أفرغت الكتابة من مضمونها، إذ أصبح الغرض هو الانتشار السريع لا الفكرة العميقة.


فالكتاب الذي كان يُكتب على مدى سنوات من البحث والتأمل، بات يُنجز في أسابيع ليُواكب “الموجة”، حتى لو خلا من أي قيمة فكرية أو لغوية.



 الوقفة الخامسة: مسؤولية المهرجانات ودور القارئ

يبقى السؤال: هل فقدنا احترامنا للكلمة أم أننا فقط نعيش مرحلة انتقالية؟


الحقيقة أن المهرجانات الثقافية تتحمل جزءاً من المسؤولية حين تفتح المنصات لأي كتاب دون معايير واضحة، لكن **القارئ أيضاً مسؤول** حين يُقبل على شراء كتاب لمجرد أن مؤلفه نجم في "السوشيال ميديا".


إن عودة القيمة للكتاب تبدأ من وعي القارئ، فالسوق يتبع الطلب، وما نحتفي به اليوم من كتب سطحية، هو انعكاس لما نستهلكه رقمياً.



 الوقفة الأخيرة: الكلمة تبقى رغم كل شيء

رغم كل ما حدث، تبقى هناك أقلام حقيقية، تكتب بصدق وتجتهد في البحث والتحليل، وتقاوم سيل الكتب السريعة والسطحية.


فالكلمة الأصيلة لا تموت، ومهما تغير الزمن، سيظل هناك من يقرأ ليعرف، لا ليصفّق.


ومهرجانات الكتاب، إن أعادت الاعتبار للنوع لا للكم، ستظل منارات تذكّرنا بأن **الكتابة ليست مهنة من لا مهنة له، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية قبل كل شيء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلد الشبابيك والحكايات: لبنان الذي نحب

  بلد الشبابيك والحكايات: لبنان الذي نحب ليبقى صوت لبنان ونبضه حيًا رغم الزمان، يراودنا الحنين إليه كلما استمعنا إلى وديع الصافي أو استحضرت “جارة القمر” في لياليه، نستعيد ذكرى بلدٍ كان يحتضننا بألفة، بلد الشبابيك والحكايات. وقفة  من بيروت إلى البترون: علامات الحب في كل زاوية تمتاز لبنان بأراضٍ تزخر بالجمال والتنوع: بيروت العاصمة، طرابلس، صيدا، صور، جبيل، بعلبك، زحلة، جونيه، البترون... في كل حي وقرية كان الناس شغوفين بالترحيب، ويجمعهم حبّ الحياة والدفء، في بلادٍ عاشت الوحدة بين طوائفها لسنوات، فتذوب الخلافات أمام المحبة. الحكايات التي جرحت الشبابيك لكن لبنان الجميل لم يسلم من الفتنة. عندما تظاهر الانقسام وكُسر الحياد، وقع التجاذب السياسي والانتماءات الأيديولوجية، لتتصدّع علاقات الناس ويصبح الحب تاريخًا يُروى في الحكايات المؤلمة. “بلد الشبابيك المجروحة بالحب المفتوح”، يردد القاصي والداني، وهي شبابيك تشتّتت أمام عواصف الانقسام. الأمل لا يموت رغم الألم، يبقى الأمل في عودة لبنان إلى ما كان عليه: وطن الأمن والأمان، ترحّب أهلٍ تؤمن بالسلام، وضياع وقُرى تُعيد الاستثمار والثقافة، وس...

نديم قطيش في مرمى الجدل: كواليس الخروج الصامت من سكاي نيوز عربية

  نديم قطيش في مرمى الجدل: كواليس الخروج الصامت من سكاي نيوز عربية 📌 مقدّمة: من هو نديم قطيش؟ نديم قطيش إعلامي لبناني معروف بخبرته في الإعلام التلفزيوني والتحليلي، وقد عمل لسنوات طويلة في مؤسسات إعلامية عربية كبرى، منها قناة العربية، وقدم برامج مثل DNA وبرز كصوت تحليلي سياسي مثير للجدل.  في يناير 2024، تم تعيينه مديراً عاماً لقناة سكاي نيوز عربية، حيث واصل تقديم برنامجه الليلة مع نديم وأشرف على الفريق التحريري والمحتوى عبر المنصات المختلفة.  🧠 وقفة 1: لماذا أثار نديم قطيش الجدل إعلاميًا؟ خلال ولايته في سكاي نيوز عربية، تصدّر اسم نديم قطيش النقاشات بسبب مواقفه السياسية الحادة في قضايا حسّاسة، خصوصًا في ملفات مثل: العلاقات الخليجية والسياسة الإقليمية العربية المقاربة بشأن المقاومة الفلسطينية ولبنان مواقفه تجاه إيران وتقييمه لقضايا الشرق الأوسط هذه المواقف جعلته محط هجوم وانتقاد من جماهير ومتابعين يرون أنها تميل إلى توجّهات معينة في الساحة السياسية الإعلامية.  📍 وقفة 2: ما صحة خبر إقالته من سكاي نيوز عربية؟ 🔹 الخبر متداول في وسائل إعلام وصفحات مختلفة بأن نديم قطيش غ...

ولد الهدى: إشراقة غيرت مجرى التاريخ

  ولد الهدى: إشراقة غيرت مجرى التاريخ وقفة يُعد يوم ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم من أعظم الأيام في التاريخ الإسلامي، حيث ارتبط بظهور رسالة عالمية غيرت وجه البشرية. وقد تناول الأدباء والشعراء على مر العصور هذه المناسبة العظيمة في قصائدهم وكتاباتهم، معبرين عن أثرها الكبير في حياة الإنسانية. أحمد شوقي وقصيدة "ولد الهدى" من أبرز ما قيل في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي الشهيرة "ولد الهدى"، التي صارت علامة فارقة في الأدب العربي. هذه القصيدة جمعت بين قوة المعنى وروعة الصور البلاغية، حتى إنها أصبحت مرجعًا لمن أراد التعبير عن عظمة شخصية النبي وأثره. دلالات قرآنية وأخلاقية لقد أثنى القرآن الكريم على الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "وإنك لعلى خلق عظيم" ، وهو وصف جامع لأسمى القيم التي جسّدها في حياته اليومية. فقد كان مثالًا للأخلاق الفاضلة والرحمة، ونموذجًا يُحتذى به في التعامل مع الناس بمختلف طبقاتهم ومجتمعاتهم. أثر الميلاد في مسار التاريخ ولد النبي في الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل، وهو اليوم الذي مثّل بداية مرحلة ...