اختفاء الوهج القديم: وقفات مع غياب رموز وتيارات كانت تملأ الساحة
الوقفة الأولى: زمن الحضور الطاغي
قبل عقدين من الزمن، كانت الساحة الدينية والإعلامية والسياسية في العالم العربي والإسلامي تعجُّ بالأسماء والكيانات ذات الحضور الطاغي.
مشايخ "الصحوة" كانوا يتصدرون المشهد بخطبهم وبرامجهم وأشرطتهم، يوجّهون الرأي العام ويؤثرون في الشباب والمجتمع.
وفي الجانب الآخر، كانت المنابر الجهادية تعج بأسماء كـ القاعدة وداعش، فيما لم تكن تخلو نشرات الأخبار من تصريحات قادة حزب الله أو الفصائل الموالية لإيران.
لكن اليوم، وبعد مرور هذه السنوات المتسارعة، تلاشى بريق أغلب تلك الأسماء، وهدأت أصوات كثيرة كانت تُحدث ضجيجاً واسعاً.
الوقفة الثانية: اختفاء مشايخ الصحوة ودعاة الثورات
يُعدّ اختفاء مشايخ الصحوة ظاهرة واضحة في المشهد العام.
فبعد موجات الربيع العربي، وما تبعها من تحولات سياسية وأمنية، تغيّر ميزان القوة، وتحوّلت المنابر من ساحات تأثير إلى فضاءات مراقبة أو صمت.
بعض هؤلاء المشايخ اختار الانزواء، وآخرون تراجعوا تحت ضغط التحولات الجديدة، في حين فضّل قسم ثالث التكيّف مع الواقع والانخراط في خطاب جديد يواكب المرحلة.
لقد كانت الصحوة نتاجاً لزمنٍ معين، اختفى عندما تغيّر الزمن نفسه، ومعه تبدّلت لغة الخطاب وتحوّل الجمهور إلى عالمٍ رقمي لا يعبأ كثيراً بالخطب التقليدية أو الأشرطة القديمة.
الوقفة الثالثة: أين اختفت أصوات “حزب الله” والفصائل الموالية لإيران؟
قبل سنوات، كانت التصريحات اليومية من قيادات حزب الله أو من قادة الفصائل الموالية لإيران تتصدر العناوين الكبرى.
لكنّ الحرب الإقليمية، والتحولات في سوريا والعراق واليمن ولبنان، أضعفت هذا الزخم.
فالمعادلات تغيّرت، والشارع العربي لم يعد يتقبل الخطاب القديم القائم على الشعارات الثورية والمقاومة اللفظية.
كما أن انكشاف الكثير من الأدوار السياسية والعسكرية في الصراعات الداخلية أفقد هذه الفصائل التعاطف الشعبي الذي كانت تستند إليه.
ومع تطور الإعلام الرقمي وتعدد المنصات، تراجعت قدرة تلك الجهات على احتكار السردية أو التأثير في الرأي العام كما في السابق.
الوقفة الرابعة: انحسار المنظمات الجهادية وتفكك بريق “القاعدة” و“داعش”
ما بين عامي 2001 و2017 كانت أسماء مثل القاعدة وداعش تسيطر على المشهد العالمي.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً حاداً في نشاطها الإعلامي والتنظيمي.
الضربات الأمنية المركّزة، والانقسامات الداخلية، وتغير أولويات المجتمعات المسلمة — التي باتت تبحث عن الاستقرار أكثر من المواجهة — كلها عوامل ساهمت في أفول تلك التنظيمات.
أما في إفريقيا وآسيا، فباتت هذه الجماعات مجرد مجموعات متناثرة تبحث عن البقاء، بعد أن كانت يوماً ما تتحدث عن “الخلافة” و“التمكين”.
لقد انهار المشروع لأن الواقع تجاوز الشعارات، ولأن الفكر المتشدد فقد جاذبيته أمام الأجيال الجديدة التي فتحت أعينها على عالمٍ أكثر اتساعاً وتنوعاً.
الوقفة الخامسة: دعاة بلا جمهور.. بين وسيم يوسف ووجوه الإخوان
في مشهد اليوم، يلاحظ المتابع أن بعض الدعاة الذين كانوا يملأون الشاشات والمنصات اختفوا أو خفت بريقهم.
منهم من غيّر خطابه كلياً مثل وسيم يوسف، ومنهم من ينتمي للمدارس الفكرية القديمة كدعاة الإخوان المسلمين الذين لم يستطيعوا مواكبة تطورات الإعلام الحديث أو متغيرات الفكر الديني المعاصر.
لم يعد الجمهور يقبل الخطاب الحاد أو الوعظي التقليدي، بل يبحث عن الواقعية والاتزان والخطاب الإنساني القريب من حياته اليومية.
الإعلام الجديد غيّر قواعد اللعبة، فالمؤثر اليوم ليس من يملك منبراً، بل من يملك تفاعلاً ووعياً بلغة الجمهور.
الوقفة السادسة: الإعلام الجديد وإعادة تشكيل الوعي
السبب الأبرز لاختفاء هذه الأسماء والتيارات هو التحول الإعلامي الهائل.
فما كان يُقال في خطبة أو عبر قناة فضائية، أصبح اليوم يُناقش في دقائق عبر منصات التواصل.
الأجيال الجديدة لم تعد تعتمد على الخطيب أو الداعية كمصدر وحيد للمعلومة، بل باتت تنوّع مصادرها وتتحقق منها لحظياً.
ومع هذا التحول، انكمش نفوذ التقليديين، وتقدم المؤثرون الرقميون الذين يجيدون لغة الصورة والفكرة القصيرة والتفاعل اللحظي.
الوقفة السابعة: المشهد الجديد.. من الصوت الواحد إلى التعددية
ما نراه اليوم ليس فراغاً، بل إعادة توزيع للأدوار.
اختفى بعض الوجوه، لكنّ المشهد امتلأ ببدائل متعددة الاتجاهات.
لم تعد الساحة حكراً على تيارٍ أو جماعة، بل أصبحت فسيفساء من الأصوات والأفكار.
الوعي الجمعي تغيّر، والمجتمعات باتت أكثر وعياً بخطورة الخطابات المتطرفة، وأكثر رغبة في بناء واقع متوازن بعيد عن الصخب القديم.
الخاتمة: ما بين الغياب والتحول
إن اختفاء تلك الأصوات والتيارات لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتحولات كبرى شملت الفكر والسياسة والإعلام والمجتمع.
فالزمن الذي أنجب “الصحوة” و“الثورات” و“المشاريع الجهادية” انتهى، وحلّ محلّه زمن الواقعية والتعددية والوعي الرقمي.
وما بين الغياب والتحول، تبقى الرسالة الأهم:
من لا يتغير مع تغير الزمن، سيختفي مع تغيره.

تعليقات
إرسال تعليق