زجاج السلام الهش
شاهد الفيديو
كم هي هشة تلك اللحظات التي نظن فيها أن سكينة الأيام قد استقرت، وأن هدوء الروح قد استدام. فما بين غمضة عين وانتباهتها، قد تتبدل أحوال، وتتغير موازين، ويتحول سكون البحر إلى أمواج عاتية. إن السلام، سواء كان سلامًا داخليًا يغشى الروح، أو سلامًا يربط القلوب، أو حتى سلامًا يعم الأوطان، هو أشبه بزجاج رفيع، شفاف وجميل، لكنه سريع الكسر بلمسة طائشة أو كلمة عابرة أو فعل غير محسوب.
في مهب الريح: هدوء زائف أم سلام حقيقي؟
إن الهدوء الظاهري ليس دائمًا مرادفًا للسلام الحقيقي. فالسكينة قد تخفي تحتها براكين خامدة تنتظر شرارة لتثور، أو خلافات مكبوتة تنتظر لحظة لتنفجر. السلام العميق هو ذاك الذي يُبنى على فهم وتسامح، على حوار لا ينقطع، وعلى إدراك أن مصائرنا متصلة، وأن أمن أحدهم رهين بأمن الجميع. إنه يتطلب يقظة دائمة، ووعيًا بالمسببات التي قد تعكر صفوه، وحكمة في التعامل مع بوادر التوتر قبل أن تستفحل. قال تعالى: "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" (فصلت: 34).
كيف نصون زجاج السلام؟
صيانة السلام تبدأ من الذات؛ فمن لم يجد سلامًا في قلبه، لن يستطيع نشره حوله. تتجلى في قدرتنا على لجم ردود الفعل المتسرعة، وفي اختيار كلماتنا بعناية، وفي الترفع عن الصغائر التي قد تفتح أبوابًا للشرور. في محيطنا الأسري، يعني ذلك التنازل أحيانًا، والاستماع أكثر مما نتكلم. في علاقاتنا الاجتماعية، يعني البحث عن نقاط الالتقاء لا الاختلاف، وتقدير قيمة التنوع. وفي تعاملاتنا اليومية، يعني حسن الظن، والتغاضي عن الزلات، والبحث عن الأعذار بدلًا من إصدار الأحكام. إنه فنّ الموازنة بين الحقوق والواجبات، وبين العفو والعدل، وبين الصمت والكلام.
حكمة الوقاية خير من ألف علاج
إن الدرس المستفاد هنا هو أن الحفاظ على السلام أسهل بكثير من محاولة استعادته بعد فقدانه. إن الرد الحكيم قبل وقوع الفعل، والاحتواء الرزين قبل اتساع الشقاق، والكلمة الطيبة قبل أن تُسد الأبواب، هي حصون منيعة تُحيط بزجاج السلام الهش وتحميه من التصدع. دعونا نكن حراسًا للسلام، لا مستفزين للصراع، وأن نؤمن بأن كل فعل خير نغرسه، وكل كلمة حكمة ننطق بها، هي لبنة تُضاف إلى بناء سلامٍ أعمق وأكثر ثباتًا في قلوبنا ومجتمعاتنا.
✨ خاتمة الوقفة فالسلام ليس مجرد غياب للنزاع، بل هو حضور واعٍ للتفاهم والتآلف. فهل نعي قيمة هذا الزجاج الشفاف ونحرص على ألا نكسره بجهلنا أو غضبنا؟
تعليقات
إرسال تعليق