ما خَفِيَ من النِّعَم: حين تَهزُّنا الحاجة
شاهد الفيديو
في رَكضِ الحياةِ المتسارع، وفي خِضَمِّ وفرةٍ قد لا نَعيها، غالبًا ما نُمرُّ على أعظم النِّعم مرور الكرام. هي تلك الأكفّ الخفية التي تسند يومنا، وتلك اللمسات الساحرة التي تُيسّر عيشنا. لا نُدرك قيمتها إلا حين يعصف بها غيابٌ مُفاجئ، أو يُهدّدها نقصٌ مُتزايد. وحينئذٍ فقط، تُشرق شمس الوعي على كنوزٍ كانت مُخبأة في طيات المألوف.
عمق النعمة في المألوف
كم من الأشياء نعتبرها حقًا مكتسبًا، لا نفكر في وجودها إلا لبرهة خاطفة، أو لا نوليها اهتمامًا حتى تتوارى عن الأنظار؟ صحة الجسد التي تمنحنا القدرة على السعي، هواءٌ نقيٌ يملأ رئاتنا دون عناء، ماءٌ زُلالٌ يروي عطشنا بغير كلفة، وطعامٌ يسدّ جوعنا بيسر. هذه هي الأركان الصامتة التي يقوم عليها وجودنا، والتي كثيرًا ما يطويها النسيان تحت وطأة تفاصيل الحياة الصاخبة. إنها النِّعم التي لا تُمنح فقط، بل تُمنح باستمرارية وسخاء، فنُصاب بغباء الإدراك، فلا نرى إلا ما نقص، ونتغافل عما فاض.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ." ما أصدقها من حكمة تُنبّهنا إلى جوهر ما نُضيّعه من كنوز.
كيف نُدرك قيمة العطاء؟
إن إدراك قيمة العطاء لا يتطلّب بالضرورة أن نُحرَم منه. بل هو ممارسةٌ واعيةٌ، تدريبٌ يوميٌ للروح على رؤية الجمال في البساطة، وتقدير الوجود في كل تفصيلة. لننظر حولنا: ذلك الدواء البسيط الذي يُسكن ألمًا عابرًا، تلك اليد الممدودة التي تُعين مُحتاجًا، تلك الطرق المعبّدة التي تُسهّل انتقالنا. كلّها مظاهر لعطاءٍ لا ينضب، تستحق منا وقفة تأمّل وشكر. كيف نُطبّق هذا؟ أن نبدأ يومنا بامتنان صادق لكل ما هو متاح، أن نُقلّل من الشكوى، ونُكثر من الحمد، أن نرى في كل "لعل" خيرًا، وفي كل "كان" نعمة. أن نُشارك الآخرين ما فاض لدينا، لأن العطاء في حد ذاته إدراك لقيمة ما نملك.
رسائل الغياب
حين يختفي المألوف، ويُصبح ما كان مُتاحًا عزيزًا، حينها تتبلور الرسائل وتتضح الرؤية. الغياب ليس مجرد فراغ، بل هو مُعلّمٌ قاسٍ لكنه صادق. يُعيد ترتيب أولوياتنا، يُعرّينا من زيف الكماليات، ويُبرز ما هو جوهري وأصيل. يُعلّمنا الصبر، ويُوقظ فينا التعاطف مع من يعيشون الحرمان الدائم. يُذكرنا بأننا جميعًا خيوطٌ متشابكة في نسيج واحد، وأن عافية أحدهم ترتبط بعافية الجميع. الغياب دعوةٌ لنا لنكون أكثر إنسانية، أكثر وعيًا، وأكثر امتنانًا.
✨ خاتمة الوقفة إنّ الحياةَ في جوهرها مدرسةٌ لا تتوقف عن تعليمنا، وتأتينا دروسها أحيانًا على هيئة نِعمٍ صامتة لا نُدركها إلا حين تصرخ الحاجة. فهل ننتظر الغياب لندرك قيمة الحضور؟
تعليقات
إرسال تعليق