متاهة اليقين
شاهد الفيديو
ما أوهن الإنسان حين يظن أنه أرسى أقدامه على أرض ثابتة، أو بنى حصونه منيعة ضد تقلبات الأيام. فالحياة ليست سوى بحر متلاطم الأمواج، تارة يمنحنا هدوءاً خادعاً، وتارة أخرى يلقي بنا في عواصف لا تبقي ولا تذر. وفي خضم هذا التلاطم، يظل قلب المرء يبحث عن مرساه، وعن شاطئ يأمن فيه من غدر الزمان.
أركان ثابتة في عالم متقلب
لقد طُبعت النفس البشرية على حب الاستقرار واليقين، تسعى جاهدة لبناء عالمها الخاص، تتشبث بأوطانها، بعلاقاتها، بمراكزها، ظناً منها أنها ستصمد أمام عاديات القدر. لكن التاريخ والواقع يخبراننا بأن كل ما هو خارج الذات، عرضة للزوال والتبدل. فكم من أوطان تبدلت ملامحها، وكم من حصون انهارت، وكم من أقدار قلبت حياة أفراد رأساً على عقب، ليجدوا أنفسهم تائهين في متاهة من القوانين والظروف التي لم تكن في حسبانهم. إنها لحظات تكشف عن هشاشة كل ما نظن أنه ثابت، وعن قوة يد القدر التي لا تُرد. قال تعالى في محكم كتابه: "قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا" (الأحزاب: 16)، وهي وإن كانت تتحدث عن الموت، إلا أنها تفتح آفاقاً للتأمل في أن الإنسان لا يملك من أمره شيئاً أمام إرادة الله وقدره.
بناء القلاع الداخلية
إذا كانت الدنيا بطبيعتها متغيرة، ومساراتها متقلبة، فهل يعني هذا الاستسلام لتياراتها؟ حاشا وكلا! إن العاقل من لا يبني قصره على الرمال المتحركة، بل يسعى لبناء قلاعه الداخلية، حصونه الروحية التي لا تهزها الرياح العاتية. إنها قلاع الصبر، الرضا، اليقين، والثقة بأن كل أمر يقع هو بتقدير الحكيم الخبير. أن يتعلم المرء كيف يتكيف مع المستجدات، أن يجد في ذاته مصدراً للقوة لا ينضب، وأن يزرع في قلبه بذور الأمل حتى في أحلك الظروف. فالعبرة ليست في إمساك دفة سفينة الحياة بزمام محكم دائماً، بل في القدرة على الإبحار بمرونة وذكاء، مهما اشتدت العواصف، معتمداً على بوصلة إيمانه وقيمه.
بوصلة الروح
إن العبرة الكبرى تكمن في إدراك أن اليقين الحقيقي لا يكمن في ثبات الأرض تحت أقدامنا، ولا في استقرار الظروف من حولنا، بل في ثبات القلب على مبادئه، وفي يقينه بأن هناك قوة عليا تدبر الأمر كله. إنها دعوة لأن نحول نظرنا من الخارج المتقلب إلى الداخل الثابت، إلى جوهرنا الذي لا يتأثر بالزلازل والأعاصير. فمن وجد ذاته، ووجد خالقه، وجد كل شيء. ومن ضاع منه ذلك، تاه في متاهات الحياة وإن امتلك كل الدنيا. اجعل بوصلتك قلبك الذي يهديك إلى النور، لا ظروفك التي تشتت ذهنك.
✨ خاتمة الوقفة حين تشتد الأمواج وتتلاطم، لن ينقذك إلا مرساك الداخلي، ويقينك بأن بعد العسر يسراً. فأين تضع مرساتك في بحر الحياة المتلاطم؟
تعليقات
إرسال تعليق