التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرارةٌ قد تُضيء أو تُحرق

📌 وقفة حياتية

شرارةٌ قد تُضيء أو تُحرق

🗓 2026-04-20📖 قراءة 3 دقائق✍️ عالم محير 83
إعلان
واشنطن وطهران.. هل يكسر احتجاز

كم من خيطٍ رفيع ينسج فجأةً نسيجاً كاملاً من الأحداث؟ وكم من شرارةٍ صغيرة، لا نكاد نلحظها، تهبّ لتوقد ناراً عظيمة، قد تكون دفئاً ونوراً، أو رماداً ودماراً؟ إنّ للحظات البدايات سرّاً عميقاً، فهي تحمل في طيّاتها بذور ما سيكون، وتختزل في ومضتها الأولى مساراتٍ لا تُحصى من المصائر.

عمق الشرارة وأبعادها

لا شيء في هذا الوجود ينفصل عن سواه. كل فعل، كل كلمة، كل نظرة، هي شرارةٌ تُلقى في بحر الوجود المتلاطم. قد تبدو هينة، لا وزن لها في ميزان اللحظة، ولكنها في الحقيقة كحجرٍ يُلقى في بركة ماء ساكنة؛ تُحدث تموّجاتٍ تتسع شيئاً فشيئاً، لتطال أطرافاً بعيدة لم تكن في الحسبان. هذه الشرارة قد تكون قراراً متسرعاً يُغيّر مجرى حياة، أو كلمة غضبٍ عابرة تُفسد وداً طويلاً، أو حتى عملاً صالحاً خفياً يفتح أبواباً للرزق والبركة. إنها البداية التي تشكل ما بعدها، وتُملي على الأحداث مسارها، وكأنها خيطٌ أول في نسيجٍ عملاق لا تظهر صورته النهائية إلا بتمام نسجه. قال تعالى في كتابه العزيز: "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ" (الزلزلة: 7-8). هذه الآية الكريمة تجسد أبلغ تعبير عن حقيقة أثر الشرارة، فمهما صغر الفعل، ومهما بدا يسيراً في عيوننا، فله وقعٌ وله حسابٌ وله أثرٌ باقٍ يتجاوز حدود الزمان والمكان.

كيف نصنع شرارات الخير؟

إدراكنا لهذه الحقيقة العميقة يضع على عاتقنا مسؤولية عظيمة: كيف نختار شراراتنا؟ وكيف نُدرك أن ما نزرعه اليوم سيُثمر غداً، ليس لنا وحدنا بل لمن حولنا أيضاً؟ يبدأ الأمر بالوعي واليقظة. أن نُدرك أن كل تفاعل لنا مع العالم هو فرصة لإشعال شرارة خير، أو درء شرارة قد تهدم. أن نمارس التفكر العميق قبل الإقدام على الفعل، وأن نتصور النتائج المحتملة لأقوالنا وأفعالنا. في حياتنا اليومية، قد تكون شرارة الخير ابتسامة صادقة في وجه عابس، أو كلمة طيبة تُساند بها مكروباً في ضائقته، أو لحظة صبرٍ على جاهل، أو عفوٍ عند مقدرة تُطفئ ناراً كادت أن تشتعل. هذه اللحظات الصغيرة، عندما تُجمع وتتكرر، تُشكّل تياراً من النور والإيجابية يُضيء دروبنا ودروب الآخرين. على الصعيد الأوسع، قد تكون شرارة الخير هي مبادرة صلح بين متخاصمين، أو بذل مجهود لإصلاح ذات البين في المجتمع، أو دعوة للحوار الهادئ بدلاً من الصدام العنيف. إنها اختيارات واعية، نابعة من قلب يؤمن بأن الخير متعدٍ، وأن أثره لا يتوقف عند صاحبه بل يمتد ليعمّ.

إعلان

الوعي باللحظة والمسؤولية

إنّ حياة الإنسان ما هي إلا سلسلة من الشرارات المتتالية؛ شرارات الأفكار التي تتحول إلى كلمات، وشرارات الكلمات التي تصبح أفعالاً، وشرارات الأفعال التي ترسم معالم المصائر. الوعي بهذه الدورة يمنحنا قوة لا تُضاهى. قوة الاختيار الواعي، وقوة المسؤولية تجاه كل ما يصدر منا. فكل منا صانعٌ لشرارته، وهي أمانة في عنقه. ألا نُحسن إشعالها لتكون نوراً ودفئاً، لا ناراً تحرق وتُدمر؟ إنها دعوة للتريث قبل كل قول، وللتفكر قبل كل فعل، وللتأمل في الأثر قبل أن يتبدّى.

✨ خاتمة الوقفة فلنتذكر دائماً أن أعظم التغييرات تبدأ بشرارة صغيرة، وأن مسار الأيام يُحدّد بخياراتنا اللحظية. فما الشرارة التي ستختار أن تُشعلها في هذا اليوم؟

إعلان
شارك المقال مع أصدقائك 💬

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نديم قطيش في مرمى الجدل: كواليس الخروج الصامت من سكاي نيوز عربية

  نديم قطيش في مرمى الجدل: كواليس الخروج الصامت من سكاي نيوز عربية 📌 مقدّمة: من هو نديم قطيش؟ نديم قطيش إعلامي لبناني معروف بخبرته في الإعلام التلفزيوني والتحليلي، وقد عمل لسنوات طويلة في مؤسسات إعلامية عربية كبرى، منها قناة العربية، وقدم برامج مثل DNA وبرز كصوت تحليلي سياسي مثير للجدل.  في يناير 2024، تم تعيينه مديراً عاماً لقناة سكاي نيوز عربية، حيث واصل تقديم برنامجه الليلة مع نديم وأشرف على الفريق التحريري والمحتوى عبر المنصات المختلفة.  🧠 وقفة 1: لماذا أثار نديم قطيش الجدل إعلاميًا؟ خلال ولايته في سكاي نيوز عربية، تصدّر اسم نديم قطيش النقاشات بسبب مواقفه السياسية الحادة في قضايا حسّاسة، خصوصًا في ملفات مثل: العلاقات الخليجية والسياسة الإقليمية العربية المقاربة بشأن المقاومة الفلسطينية ولبنان مواقفه تجاه إيران وتقييمه لقضايا الشرق الأوسط هذه المواقف جعلته محط هجوم وانتقاد من جماهير ومتابعين يرون أنها تميل إلى توجّهات معينة في الساحة السياسية الإعلامية.  📍 وقفة 2: ما صحة خبر إقالته من سكاي نيوز عربية؟ 🔹 الخبر متداول في وسائل إعلام وصفحات مختلفة بأن نديم قطيش غ...

حكمة البلاء: من رحم الشدائد تولد القوة

📌 وقفة حياتية حكمة البلاء: من رحم الشدائد تولد القوة 🗓 2026-04-21 • 📖 قراءة 3 دقائق • ✍️ عالم محير 83 إعلان ▶ شاهد الفيديو تجري رياح الحياة بما لا تشتهي السفن أحياناً، فتضرب أمواج التحديات جوانب وجودنا، وتهز أركان طمأنينتنا. لكن هل فكرنا يوماً أن في عمق كل عاصفة تكمن بذرة قوة لم نكن لندركها لولا هذا الهبوب؟ إنها الدعوة المتجددة للتأمل في جوهر المحن، لا كعقبات تعيق، بل كمراحل تبني وتصقل. كيمياء التحول ليست المحن مجرد أحداث عابرة تُلقي بظلالها على طريقنا، بل هي كيمياء حقيقية للتحول. إنها اللحظات التي تُجبرنا على إعادة تقييم ما كنا نعدّه ثابتاً، وتكشف لنا هشاشة ما ظنناه متيناً. في خضم الانهيار أو الفشل، تظهر نقاط الضعف التي تحتاج إلى ترميم، وتبرز الحاجة إلى ابتكار حلول لم تكن لتخطر ببالنا في أوقات الرخاء. إنها دعوة خفية لإعادة بناء الذات، أو المنظومة، أو الفكرة، على أسس أصلب وأكثر وعياً. وصدق الله العظيم إذ يقول في محكم تنزيله: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَ...

ما خَفِيَ من النِّعَم: حين تَهزُّنا الحاجة

📌 وقفة حياتية ما خَفِيَ من النِّعَم: حين تَهزُّنا الحاجة 🗓 2026-04-20 • 📖 قراءة 3 دقائق • ✍️ عالم محير 83 إعلان ▶ شاهد الفيديو في رَكضِ الحياةِ المتسارع، وفي خِضَمِّ وفرةٍ قد لا نَعيها، غالبًا ما نُمرُّ على أعظم النِّعم مرور الكرام. هي تلك الأكفّ الخفية التي تسند يومنا، وتلك اللمسات الساحرة التي تُيسّر عيشنا. لا نُدرك قيمتها إلا حين يعصف بها غيابٌ مُفاجئ، أو يُهدّدها نقصٌ مُتزايد. وحينئذٍ فقط، تُشرق شمس الوعي على كنوزٍ كانت مُخبأة في طيات المألوف. عمق النعمة في المألوف كم من الأشياء نعتبرها حقًا مكتسبًا، لا نفكر في وجودها إلا لبرهة خاطفة، أو لا نوليها اهتمامًا حتى تتوارى عن الأنظار؟ صحة الجسد التي تمنحنا القدرة على السعي، هواءٌ نقيٌ يملأ رئاتنا دون عناء، ماءٌ زُلالٌ يروي عطشنا بغير كلفة، وطعامٌ يسدّ جوعنا بيسر. هذه هي الأركان الصامتة التي يقوم عليها وجودنا، والتي كثيرًا ما يطويها النسيان تحت وطأة تفاصيل الحياة الصاخبة. إنها النِّعم التي لا تُمنح فقط، بل تُمنح باستمرارية وسخاء، فنُصاب بغباء الإدراك، فلا نرى إلا ما نقص، ونتغافل عما فاض. قال رسول الله صلى الله ...